الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

26

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وإلانة الحديد : تسخيره لأصابعه حينما يلوي حلق الدروع ويغمز المسامير . و أَنِ تفسيرية لما في أَلَنَّا لَهُ من معنى : أشعرناه بتسخير الحديد ليقدم على صنعه فكان في أَلَنَّا معنى : وأوحينا إليه : أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ . و الْحَدِيدَ تراب معدني إذا صهر بالنار امتزج بعضه ببعض ولأن وأمكن تطريقه وتشكيله فإذا برد تصلب . وقد تقدم عند قوله تعالى : قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً في سورة الإسراء [ 50 ] . و سابِغاتٍ صفة لموصوف محذوف لظهوره من المقام إذ شاع وصف الدروع بالسابغات والسوابغ حتى استغنوا عند ذكر هذا الوصف عن ذكر الموصوف . ومعنى قَدِّرْ اجعله على تقدير ، والتقدير : جعل الشيء على مقدار مخصوص . و السَّرْدِ صنع درع الحديد ، أي تركيب حلقها ومساميرها التي تشدّ شقق الدرع بعضها ببعض فهي للحديد كالخياطة للثوب ، والدرع توصف بالمسرودة كما توصف بالسابغة . قال أبو ذؤيب الهذلي : وعليهما مسرودتان قضاهما * داود أو صنع السوابغ تبّع ويقال لناسج الدروع : سرّاد وزرّاد بالسين والزاي ، وقال المعري يصف درعا : وداود قين السابغات أذالها * وتلك أضاة صانها المرء تبع فلما سخر اللّه له ما استصعب على غيره أتبعه بأمره بالشكر بأن يعمل صالحا لأن الشكر يكون بالعمل الذي يرضي المشك والمنعم . وضمير اعْمَلُوا لداود وآله كقوله تعالى : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها [ طه : 132 ] أو له وحده على وجه التعظيم . وقوله : إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ موقع « إن » فيه موقع فاء التسبب كقول بشار : إن ذاك النجاح في التبكير وقد تقدم غير مرة . والبصير : المطلع العليم ، وهو هنا كناية عن الجزاء عن العمل الصالح . [ 12 ] [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 12 ] وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ ( 12 )